المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قطـعـةُ البـرونـز


ابن الحجاز
20-12-07, 02:29 AM
نَحْنُ داَئِماً نَسْمَعُ ونَقْرأَُ قِصَصَ الصَّالِحیِنَ في ترُاثنَِا العريق،ِ ونستمِدُّ منھا العبَِرَ البالغة،َ والحِكَمَ المفید ة،َ وتكونُ في قلوبنِا كالإِشرْاَقاتِ المضیئةِ.

سأَرَوِْي لَكُمْ يا أحباَّئي قِصّةً من أروعِ ما يُمْكِنُ أَنْ نَسْمَعَهُ في حادثةٍ وقَعَتْ قبلَ مئِاتِ السنینِ ولكنّھا تؤكّدُ على المثالِ الراقي، والخلُقِ الرفیع،ِ والإيمانِ العمیق.

بطلُ قِصتّنا ھو الخلیفة الراشدي الثاني أمير تامؤمنين عُمَرُ بن الخطّاب رضي الله عنه، وأنْتُمْ تَعرْفُِونَ يا أَصدقائي عَدالةَ ھذا الإنسان الفذ،ّ ورَجاَحَةَ عَقلِْه،ِ وصَلابَتَِهِ في الحق،ِّ وشدتَِّهِ فِي حِفْظِ الأمانة.

والقصة، أنَّ عُمرَ الفاروق، رأى ابُنَهُ عبدُ اللَّهِ وفي يدِهِ قطعةُ نقدٍ برونزية، وھذا النوعُ من النّقْدِ لَمْ يَكُنْ لهُ قیمةٌ كبیرةٌ ولم يكنْ رائجاً لقلّة قیِمتِه،
فسألَ الخلیفةُ ابنَه: ُمِنْ أيَنَ لكَ ھذا ولیسَ في جیبِ أبیكَ ولا في بیتِهِ مثِلَْهُ؟

وھُوَ يقصدُ أنَّهُ لا يملكُ مِنَ المالِ شیئا،ً يا سبحانَ اللَّه،ِ خلیفَةٌ كبیر،ٌ يحكمُ الأمّة،َ وتحتَ يديهِ أموالُھا وغنائِمُھا، ولیسَ في بیتِهِ حتى قِطعَةَ نقدٍ برونزية، ورَغْمَ ذلكَ لم يتغاضَ عنْ وجودِھاَ في يدِ ابنِهِ ويقولُ لیستْ ذاتَ أَھَمیَِّة،ً بل سألَهُ بِحزَْمٍ عن مَصْدرَِھا.

قال: ھي مِنْ أبي موسى الأشعريّ.
وكانَ أبو موسى في ذلكَ الحینِ مسؤولاً عن بیتِ مالِ المسلمین، وھذا البیتُ ھو عبارةٌ عن مكانٍ تُخَزَّنُ فیهِ الأموالُ وكلُّ ما تَملُْكُهُ الدوَّلَْةُ من منَْقولاتٍ وغنائِمُ حَرْبٍ وزكاةٍ وضرائبٍ وجزِيَْةٍ.

فماذا فعلَ الفاروقُ رضي الله عنه؟

لم يَسْكُتْ الخلیفة،ُ بَلْ أَخَذَ بیَِدِ ابُنِهِ وقَصَدَ أبا موسى،
وصاحَ بِهِ قائلاً : « أنتَ أعطیتَ ابني ھذهِ القطعة ؟ »
فقال: نعم يا أمیرَ المؤمنین،
فقال أمير المؤمنين عُمرَُ غاضبا،ً ولماذا ؟
قالَ أبو موسى: أحصیتُ مالَ المسلمینَ فوجدتُهُ ذھباً وفضةً ولیسَ فیهِ من البرونز سوى ھذهِ
القطعة،ُ فلم أَشأَْ أنْ أُحرَرَِّ بھا قائمةً مفردةً فأَعْطیَتُْھاَ عبد الله.

بعد أنْ سَمِعَ أمير المؤمنين عُمرَُ مَقاَلَةَ أبي موسى، كیف ستكونُ يا أصدقائي ردّة فعلِ الفاروقِ رضي الله عنه؟
ھل سیَھْدأُ ويمضي مَعَ ابُنهِ بعد أنْ تأكّدَ أنّ القطعةَ مِنْ بیتِ المال،ِ وأنّ ابنَهُ حَصَلَ علیھا برِضى
أبي موسى،

بلْ على العَكْس،ِ لقدْ اشتدّ غضبُ الخلیفة،ِ وصاح:
يا أبا موسى، أبَحثَْتَ في أولادِ المسلمینَ فما وجدتَ غلاماً أفقر من ابنِ عُمرَ؟
أَطِفْتَ في بیوتِ المدينةِ فما وجدتَ بیتاً يقبلُ الحرامَ ويتعاملُ بهِ إلاّ بیتِ عمر؟
أَمَا وَجَدْتَ في أبناءِ المسلمینَ مَنْ يستحقُّ الصَّدقَةَ إلاّ ابُْنَ عمر؟

ثُمَّ أ خَذَ القِطْعَةَ مِنْ يَدِ ابُنِْه،ِ ورَمَى بھا إلى أبي موسى وھو يقول : « إِنّ الجنُْدَ في المیدانِ يُقاتِل،ُ الْحَقْ بِهِ يا أبا موسى » ْ

ما الذي جعلَ الخلیفةَ يفعلُ ذلك؟
ولماذا أعادَ القطعةَ زھیدةَ القیمةَ إلى أبي موسى؟
ولماذا عزَلَ أبي موسى عن مسؤ ولیتِّهِ في بیتِ المالِ وأَمرَهُ بأنْ يلَْحَقَ بساحاتِ الجِھاَدِ.

إنّ ورَعَ الخلیفةِ وحرصُهُ على أموالِ المسلمینَ منَعَهُ مِنْ أَنْ يأَْخُذَ ابنَهُ ولو قطعةً برونزية، وإِنّ تَساَھُلَ أبي موسى البسیطُ جداً جِداً اعتْبَرَهُ الخلیفةُ تَفرْيِطاً فَعزَلَه عَنْ منَْصِبِه،

فكانَ ردُّ فِعلِْهِ أنْ قال : سَمْعاً وطاعة.

همس المشاعر
04-01-08, 02:49 PM
الله يعطيك العافية

ابن الحجاز
11-01-08, 01:43 PM
الله يعافيك همس

اسعدني مرورك و تفضلك بالرد

ورد الأمل
20-02-08, 05:31 PM
الموضوع جدا جميل

ابن الحجاز
21-02-08, 08:58 PM
جمل الله ايامك ورد الربيع برضى الرحمن

اسعدني مرورك و تفضلك بالرد