المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القاضـي شـريح


ابن الحجاز
14-05-08, 11:07 PM
شريح القاضي

هو شريح بن الحارث، رجل يمنى الموطن كندى العشيره قضى شطرا غير يسير من حياته فى الجاهليه
فلما اشرقت الجزيره العربيه بنور الهدايه ونفذت اشعه الاسلام الى أرض اليمن كان شريح من اوائل المؤمنين بالله ورسوله والمستجبين لدعوه الحق

لم يكن شريح بن الحارث يوم ولاه أمير المؤمنين عمر القضاء رجلا مجهول المقام فى المجتمع المدنى فقد كان اصحاب افضل يقدرون له فطنته الحاده وذكاءه الفذ وخلقه الرفيع وطول تجربته فى الحياه وعمقها

ولم يكن الفاروق رضوان الله عليه متعجلا حين عهد بمنص من مناصب القضاء الكبرى لرجل من التابعين على الرغم من ان سماء الاسلام كانت يومئذ ما تزال تتالق بالنجوم من صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اثبتت الايام صدق فراسه أمير المؤمنين عمر وصواب تدبيره اذ ظل شريح يقضى بين المسلمين نحوا من ستين عاما متتابعه من غير انقطاع وقد تعالقب على اقراره فى منصبه كل من عمر وعثمان وعلى ومعاويه رضوان الله عليهم اجمعين.

كما اقره على ذلك من جاء بعد معاويه من خلفاء بنى اميه حتى طلب الرجل اعفاءه من منصبه ابان ولايه الحجاج وكان قد بلغ السابعه بعد المائه من حياته المديده الراشيده الحافله بالفاخر والماثر

ولقد ازدان تاريخ القضاء فى الاسلا م ببدائع من مواقف شريح وزها بروائع من انصياع المؤمنين وعامتهم لشرع الله الذى يمثله شريح ونزولهم على حكمه


وسوف نسرد لكم بعض من هذه القصص


ابتاع امير المؤمين عمر بن الخطاب رضى الله عنه فرسا من رجل من الاعراب ونقده ثمنه ثم امتطى صهوته ومضى به لكنه ما كاد يبتعد بالفرس طويلا حتى ظهر فيه عيب عاقه عن مواصلة الجرى فاثنى به عائدا من حيث انطلق
وقال للرجل: خذ فرسك فانه معطوب
فقال الرجل: لا اخذه يامير المؤمنين وقد بعته سليما صحيحا
فقال عمر: أجعل بينى وبينك حكما
فقال الرجل: يحكم بيننا شريح بن الحارث الكندى
فقال عمر: رضيت به

احتكم امير المؤمنين عمر بن الخطاب وصاحب الفرس الى شريح فلما سمع شريح مقاله الاعرابى التفت الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
وقال : هل اخذت الفرس سليما يا امير المؤمنين ؟
فقال عمر: نعم
فقال شريح: احتفظ بما اشتريت - يا امير المؤمنين - او رد كمااخذت0
فنظر عمر الى شريح معجبا وقال : وهل القضاء الا هكذا ؟ قول فصل وحكم عدل0

ثم قال له أمير المؤمنين سر الى الكوفه فقد وليتك قضاءها0

------------------------------------------------------------------------


ومن ذلك ان أمير المؤمنين على بن ابى طالب رضى الله عنه افتقد درعا له كانت اثيره عنده غاليه عليه ثم ما لبث ام وجده فى يد رجل من اهل الذمه يبيعها فى سوق الكوفه فلما راها عرفها
وقال : هذه درعى سقطت من على جمل لى فى ليله كذا وفى مكان كذا
فقال الذمى: بل هى درعى وفى يدى يا امير المؤمنين
فقال أمير المؤمنين على: انما هي درعى ولم ابعها من احد ،ولم اهبها لاحد حتى تصير اليك
فقال الذمى: بينى وبينك قاضى المسلمين
فقال أمير المؤمنين على: انصفت فهلم اليه

ثم انهما ذهبا الى شريح القاضى فلما صارا عنده فى مجلس القضاء

قال شريح: ما تقول يا امير المؤمنين؟
فقال: لقد وجدت درعى هذه مع هذا الرجل، وقد سقطت منى فى ليلة كذا وفى مكان كذا وهذه لم تصل اليه لاببيع ولا بهبه
فقال شريح للذمى: وما تقول انت ايها الرجل ؟
فقال: الدرع درعى وهى فى يدى ولا اتهم امير المؤمنين باكذب
فالتفت شريح الى أمير المؤمنين على وقال: لا ريب عندى فى انك صادق فيما تقوله يا امير المؤمنين وان الدرع درعك ولكن لا بد لك من شاهدين يشهدان على صحه ما ادعيت؟
فقال أمير المؤمنين على: نعم، مولاى قنيبر، وولدى الحسن يشهدان لى
فقال شريح: ولكن شهاده الابن لابيه لا تجوز يا امير المؤمنين
فقال على: يا سبحان الله !! رجل من اهل الجنه لاتجوز شهادته !!، ما سمعت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنه)
فقال شريح: بلى يا امير المؤمنين، غير انى لا اجيز شهاده الوالد لوالده
عند ذلك التفت أمير المؤمنين على الى الذمى وقال : خذها، فليس عندى شاهد غيرهما
فقال الذمى: ولكنى اشهد بان الدرع لك يا امير المؤمنين
ثم اردف قائلا :يالله امير المؤمنين يقاضينى امام قاضيه!! ، وقاضيه يقضى لى عليه!!
اشهد ان الدين الذى يامر بهذا لحق و اشهد ان لا اله الا الله وان محمد عبده ورسوله، أعلم ايها القاضى ان الدرع درع امير المؤمنين وانى اتبعت الجيش وهو منطلق الى صفين فسقط الدرع عمن جمله الارق فاخذتها
فقال أمير المؤمنين على رضى الله عنه: اما وانك اسلمت فانى وهبتها لك، ووهبت لك معها هذا الفرس ايضا

ولم يمضى على هذا الحدث زمن طويل حتى شوهد الرجل يقاتل الخوارج تحت رايه أمير المؤمنين على فى يوم النهروان ويمعن فى القتال حتى كتبت له الشهاده0

------------------------------------------------------------------------


ومن روائع القاضي شريح ايضا ان ابنه
قال له يوما: يا ابت ان بينى وبين قوم خصومه فانظر فيها فان كان لى الحق فيها قضيتهم وان كان لهم صالحتهم ثم قص عليه قصته
فقال له: انطلق فقاضيهم

فمضى الى خصومه ودعاهم الى المقاضاه فاستجابوا له ولما مثلوا بين يدى شريح قضى لهم على ولده، فلما رجع وابنه الى البيت
قال الولد لابيه فضحتنى يا ابت والله لو لم استشيرك من قبل لما لمتك
فقال شريح: يا بنى والله لانت احب الى من ملء الارض من امثالهم ولكن الله عز وجل اعز على منك لقد خشيت ان اخبرك بان الحق لهم فتصالحهم صلحا يفوت عليهم بعض حقهم فقلت لك ما قلت.

------------------------------------------------------------------------

روى احدهم
قال: سمعنى شريح وانا اشتكى بعض ما غمنى لصديقى فاخذنى من يدى وانتحى بى جانبا وقال: يا ابن اخى اياك والشكوى لغير الله عزوجل، فان من تشكو اليه لا يخلو ان يكون صديقا او عدوا
فاما الصديق فتحزنه
واما العدو فيشمت بك
ثم قال: انظر الى عينى هذه - واشار الى احدى عينيه - فوالله ما بصرت بها شخصا ولا طريقا منذ خمس عشر سنه ولكنى ما اخبرت احدا ذالك الا انت فى هذه الساعه
اسمع قول العبد الصالح (انما اشكوا بثى وحزنى الى الله)
فاجعل الله عز وجل مشكاك ومحزنك عند كل نائبه تنوبك، انه اكرم مسئول واقرب مدعو

------------------------------------------------------------------------


رضى الله عن الفاروق فقد زان مفرق القضاء فى الاسلام بلؤلؤه كريمه الاعراق صافيه الجواهر وائعه المجتلى وحبا المسلمين مصباحا منيرا مازالوا حتى اليوم يستضيؤون بسنا فقهه لشرع الله ويهتدون بنور فهمه لسنه رسول الله ويباهون به الامم يوم القيامه


ورحم الله شريحا القاضى فقد اقام العدل بين الناس ستين عاما، فما حاف على احد ولا حاد عن حق ولا ميز بين ملك وسوقه